(2) مهدي عامل: جرامشي العرب
هذا المقال تُرجم على موقع إضاءات ويعاد نشره هنا على المدونة. الرابط الأصلي: https://www.ida2at.com/mahdi-amel-gramsci-of-the-arabs/
البلوط الأحمر
ولد حسن حمدان عام 1936، وغادر لبنان بعد عشرين عامًا لدراسة الفلسفة في ليون بفرنسا. تلاشى كل أمل في إمكانية تسأسيس حركة تقدمية في وطنه. بدأت القومية العربية والشيوعية بالترسخ في لبنان، ولكن الانتفاضة المسلحة التي قادتها هاتان القوتان تم سحقها من قبل النخبة اللبنانية، بدعم من التدخل العسكري الأمريكي.
في فرنسا، انضم حمدان بعد ذلك إلى مجموعة سرية من الشيوعيين العرب. كانت الحرب الجزائرية مشتعلة ولم يسمح ديغول بأي معارضة في البلاد. لذلك غادر حمدان فرنسا متوجهاً إلى الجزائر في عام 1963، حيث ساعد مع زوجته إيفلين بران في بناء الدولة المستقلة الجديدة.
وفي بلدة القسطنطينية، قامت إيفلين بران بتدريس اللغة الفرنسية وقدم حمدان دروسًا مسائية عن فرانز فانون المتوفى مؤخرًا. كما نشر حمدان أول مقال له عن فانون في مجلة «الثورة الإفريقية».
لكن أدّت الاضطرابات السياسية التي كانت تتطور مرة أخرى في لبنان إلى عودة حمدان إلى وطنه. وكان الحزب الشيوعي اللبناني قد عقد مؤتمره الثاني هناك في عام 1968 حيث كما يشير زعيم الشباب أدهم السيد الآن، «وضعنا مفاهيمنا ونظريتنا في المقدمة». ونأى الحزب بنفسه عن النهج السوفيتي تجاه القضية الفلسطينية وكان ملتزمًا تمامًا بمقاومة إسرائيل وبناء الحركة القومية العربية.
في أعقاب هذا المؤتمر، صادق رسمياً وزير الداخلية كمال جنبلاط من الحزب التقدمي الاشتراكي على عقوبة الحزب الشيوعي اللبناني. وبين عامي 1970 و 1975، مع صعود اليسار رغم القمع، ازداد النشاط النقابي حيث كان هناك خمسة وثلاثون إضرابًا في السنة. ورافقت المشاركة النضالية القوية أثناء إضراب عمال الطعام في غندور عام 1972 بإحياء الحركة الطلابية في نفس الوقت.
في عام 1974، تظاهر خمسون ألف شخص ضد خصخصة التعليم – وأعلن آنذاك المخضرم إلياس الهبر، الزعيم النقابي للحزب الشيوعي اللبناني، أنه لم يشهد مثل هذه المظاهرة في حياته. أما في حقول التبغ في جنوب لبنان، حذا المزارعون حذوهم أيضًا حيث كان اتحاد منتجي التبغ في جنوب لبنان حاول تخليص نفسه من وصاية الأعيان السابقين.
استعار حمدان اسمه – مهدي عامل – من جبال جنوب لبنان: جبل عامل، وهو موطن الشيعة في البلاد. عايشت المنطقة بؤس اقتصادي كبير، واضطر الفلاحين إلى التخلي عن زراعة محاصيلهم المعيشية من أجل زراعة التبغ رغم الأضرار التي خلفّها زراعته، ومع ذلك لم يحصلوا إلّا على مقابل زهيد، حيث احتكرت الدولة زراعته وامتلكت الحصة الأكبر في الأسواق.
عندما انبثقت النضالات من الحركة الشيوعية، سافر مهدي عامل عبر مناطق زراعة التبغ، وألقى محاضرات عن الماركسية وصلتها بالقضايا المعاصرة في لبنان.
تحدث في المنازل والمساجد، كما تتذكر إيفلين بران، وكان يُستمع إليه «بصمت ديني». وشرح كيف يعمل «التخلف» وما هي نوايا اليمين اللبناني (الكتائب) كممثل للقوى الخارجية. كانت إيفلين بران تقول ذلك بعد سنوات. عُرف عامل باسم «الرجل ذو اللحية الخضراء» وقد حقق مكانة أسطورية بين المزارعين.
ستتذكر بران أحد الموضوعات الرئيسية في عمله: «أن تكون ماركسيًا يعني أن تكون شخصًا قادرًا على تقديم إجابات لمشاكل الحياة اليومية». فمثلا خلال الاحتلال الإسرائيلي لبيروت عام 1982، كان يشارك مهدي عامل في تنظيم توزيع المياه بنفس الطاقة التي استخدمها للمساعدة في بناء المقاومة المسلحة. لا يوجد تسلسل هرمي بين هذه المشاكل المختلفة بالنسبة له، حيث كان يرى ألا يمكن للمرء أن يعكس حالة «التخلف» إذا تجاهل المعاناة اليومية للناس.
عندما تسقط شجرة
قُتل مهدي عامل عام 1987، أي قبل عامين من انهيار التجربة السوفيتية. وبحلول ذلك الوقت، كان الحزب الشيوعي اللبناني قد عانى بالفعل من نكسات كبيرة، ومشاركته في الحرب الأهلية اللبنانية كان يعني أيضا أن كان عليه الاستسلام لخطاب الطائفية وللحرب بين المسيحيين والمسلمين. أصبح من المستحيل عدم الانجرار في هذه الدوامة، كما أشار في كتبه عنها. وأصبح إذا من الصعب عليه دعم الحزب في هذا السياق، وبدأ الحزب في الانحسار.
على مدى العقدين الماضيين، واجه اليسار في العالم العربي تراجعا تاريخيا. تم تفكيك الأحزاب الشيوعية من قبل الأنظمة القومية العربية. وبدت فرصة النمو محدودة، وثبت أن النشاط النقابي أصبح أكثر صعوبة من ذي قبل حيث نقلت الشركات، مما قطعت العلاقات مع التقاليد النقابية القديمة. أما استيراد العمال المهاجرين، بتأشيرات مقيدة، جعل النقابات العمالية مستحيلة عمليًا.
أدى صعود الإسلام السياسي وظهور التعصب الأعمى إلى جعل العقلية الكونية الصارمة للماركسية غريبًا بشكل واضح عن الحياة اليومية. ظهرت حركات سياسية نابضة بالحياة في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين – تضامناً مع فلسطين، في النقابات العمالية الشجاعة في مناجم تونس والمصانع في مصر، في حركات اجتماعية جديدة حول حقوق النساء والعمال المهاجرين. أدى تجميع هذه الجهود بشكل مباشر إلى الانفجار الذي حدث في عام 2011: الربيع العربي. لا يزال من الممكن رؤية التعبير عن هذه المبادرات اليسارية الجديدة اليوم في جميع أنحاء العالم العربي.
في مصر على سبيل المثال، حاول حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) إعادة التقاليد الاشتراكية مع تخيل نوع جديد من السياسة.
مع ذلك الأشياء ليست وردية تمامًا. في تونس، بدأ اليسار في وضع أفضل لتولي مسؤولية مستقبل البلاد من خلال حركة الوطنيين الديمقراطيين، لكن أحد قادتها، شكري بلعيد، اغتيل أمام منزله في 6 فبراير 20131 [على يد أحد أعضاء داعش]. كان عمره 48 سنة. بلعيد مثل مهدي عامل كان يكتب قصائد. كانت إحداها تتعلق باغتيال حسين مروة.
تدور العجلة، وفي بعض الأحيان تكرر نفسها.
في 17 ديسمبر 2014، أعلن بوبكر الحكيم (تحت الاسم الحركي أبو المقتيل) مسؤوليته عن اغتياله في سوريا: «نعم، أيها الطغاة، نحن من قتلنا شكري بلعيد ومحمد براهمي […] سنعود ونقتل الكثير منكم. لن تعيشوا بسلام حتى تطبق تونس الشريعة الإسلامية».

