ليس من أجل البترول فقط، بل من أجل البترودولار
ترجمة: صفحة notre plateforme d'information (NPI). https://www.facebook.com/61556699934772/posts/pfbid06CEvXGHoE9BhynvRmxm3u4NbJ9JryuSKF2bKfrBfSWxhwvj5fbYF8aQdr6kEUXUCl/?app=fbl
الصورة من موقع الجزيرة.
السبب1 الحقيقي الذي يجعل الولايات المتحدة تستهدف فنزويلا يعود إلى اتفاق أبرمه هنري كيسنجر مع المملكة العربية السعودية عام 1974. فالضربة الأمريكية على الفينيزويلا لا تتعلق بالمخدرات ولا بالإرهاب ولا بـ«الديمقراطية»، بل ببقاء الدولار الأمريكي نفسه. القضية الأساسية هي نظام البترودولار الذي حافظ على الولايات المتحدة كقوة اقتصادية مهيمنة طوال خمسين عامًا، والذي بات أكثر تهديدًا اليوم بسبب رغبات فنزويلا.
تمتلك فنزويلا 303 مليارات برميل من احتياطيات النفط المؤكدة، وهي الأكبر في العالم، متقدمة حتى على السعودية، وتمثل ما يقارب 20٪ من إجمالي الاحتياطي النفطي العالمي. لكن الأهم من حجم هذه الثروة هو الطريقة التي بدأت فنزويلا تتعامل بها معها.
في عام 2018، أعلنت فنزويلا نيتها التحرر من الدولار، وبدأت ببيع نفطها بعملات أخرى مثل اليوان الصيني واليورو والروبل، ورفضت الاعتماد على الدولار فقط. كما تقدمت بطلب الانضمام إلى مجموعة بريكس، وشرعت في بناء قنوات دفع مباشرة مع الصين تتجاوز نظام «سويفت» الغربي، مع امتلاكها احتياطيات نفطية كافية لتمويل مسار نزع الدولرة لعقود طويلة.
تكمن خطورة هذا التحول في أن النظام المالي الأمريكي بأكمله يقوم على ركيزة أساسية هي البترودولار. ففي عام 1974، أبرمت الولايات المتحدة اتفاقًا مع السعودية يقضي بأن يُباع النفط عالميًا بالدولار الأمريكي، مقابل توفير الحماية العسكرية. هذا الاتفاق خلق طلبًا عالميًا مصطنعًا على الدولار، وجعل كل دول العالم بحاجة إليه لشراء الطاقة، ما سمح لواشنطن بطباعة كميات هائلة من الدولار بينما يعمل العالم بأسره للحصول عليه. وبهذا جرى تمويل الجيش الأمريكي، ودولة الرفاهة الأمريكية، والدين الأمريكي. لذلك يُعد البترودولار أكثر أهمية للهيمنة الأمريكية من حاملات الطائرات نفسها.
يُظهر التاريخ نمطًا متكررًا في التعامل مع أي قائد يتحدى هذا النظام2. ففي عام 2000 أعلن صدام حسين أن العراق سيبيع نفطه باليورو بدل الدولار، وبعد ثلاث سنوات فقط جرى غزو العراق وتغيير نظامه، ليُعاد النفط العراقي فورًا إلى التسعير بالدولار، دون العثور على أسلحة الدمار الشامل التي استُخدمت ذريعة للحرب.
وفي عام 2009، اقترح معمر القذافي إنشاء عملة إفريقية موحدة مدعومة بالذهب، عُرفت باسم «الدينار الذهبي»، لاستخدامها في تجارة النفط. وقد أكدت رسائل بريد إلكتروني مسرّبة لهيلاري كلينتون أن هذا المشروع كان من الأسباب الرئيسية للتدخل الغربي. وفي عام 2011، قصف حلف الناتو ليبيا، وقُتل القذافي (البعض يقول أنه تم إغتصابه)، وانتهى مشروع الدينار الذهبي معه، بينما غرقت البلاد في الفوضى وتجارة العبيد.
وضحكت آنذاك هيلاري كلينتون أمام الكاميرا: «جئنا، رأينا، مات!».
ومات الدينار الذهبي معه.
واليوم، يتكرر المشهد مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي يملك بلاده احتياطيات نفطية تفوق ما كان لدى العراق وليبيا مجتمعين. ففنزويلا تحاول بيع النفط باليوان، وتبني أنظمة دفع خارج سيطرة الدولار، وتسعى للانضمام إلى بريكس، وتتحالف مع الصين وروسيا وإيران، وهي الدول الثلاث التي تقود عملية نزع الدولرة عالميًا. هذا المسار، وفق هذا المنطق، لا يُعد مصادفة.
وقد عبّر ستيفن ميلر، مستشار الأمن الداخلي الأمريكي، عن هذا الموقف بصراحة حين قال إن الجهد والعمل الأمريكيين هما من أنشآ صناعة النفط في فنزويلا، معتبرًا أن تأميمها يمثل «أكبر سرقة لثروة وممتلكات الولايات المتحدة في التاريخ». هذا الخطاب يعكس اعتقادًا بأن الموارد الطبيعية التي طورتها شركات أمريكية قبل قرن من الزمن لا تزال حقًا مكتسبًا للولايات المتحدة، وهو منطق يجعل أي تأميم عبر التاريخ فعلًا غير مشروع.
لكن الإشكالية الأعمق هي أن نظام البترودولار نفسه بدأ بالفعل في التآكل3. فروسيا تبيع نفطها بالروبل واليوان منذ حرب أوكرانيا، والسعودية تناقش علنًا تسعير النفط بعملات غير الدولار، وإيران تتعامل منذ سنوات خارج المنظومة الدولارية4. في الوقت نفسه، أنشأت الصين نظام «CIPS» كبديل لسويفت يضم 4800 بنك تعمل في 185 دولة، بينما تعمل دول بريكس بنشاط على تطوير أنظمة دفع تتجاوز بالكامل هيمنة الدولار. كما يتيح مشروع mBridge للبنوك المركزية تسوية المعاملات فورًا بالعملات المحلية. وانضمام فنزويلا إلى بريكس، مع احتياطياتها الضخمة الذي يبلغ 303 مليار برميل من النفط، سيُسرّع هذا التحول بشكل هائل.
هنا يكمن الجوهر الحقيقي لهذا الغزو. فالأمر لا يتعلق بمحاربة تهريب المخدرات، إذ تمثل فنزويلا أقل من 1٪ من الكوكايين المستهلك في الولايات المتحدة5، ولا يتعلق بالإرهاب، إذ لا يوجد أي دليل يثبت أن مادورو يقود «منظمة إرهابية». ولا يتعلق بالديمقراطية، خاصة أن الولايات المتحدة تدعم المملكة العربية السعودية، التي لا تُجري أي انتخابات. إنما الهدف هو الحفاظ على اتفاق قديم منذ خمسين عامًا يسمح لأمريكا بطباعة الدولار بينما يعمل العالم من أجله. أما العواقب فهي مروعة، إذ تصف روسيا والصين وإيران هذا التصعيد بالفعل بأنه «عدوان مسلح». وتعتبر الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، ما يعني أنها تخسر مليارات الدولارات.
طبعًا هناك أسباب أخرى (البعض يقول أن ما حدث مع مادورو هو من أجل تأمين ممر للنفط بعد دخول الولايات المتحدة-إسرائيل حرب مع إيران ستجعل المنطقة غير آمنة).
طبعًا هناك عاومل أخرى مهمة.
أمر مبالغ فيه من قبل كاتب المقال.
كما قلنا، الأمر نسبي.
بمناسبة المخدرات داخل الولايات المتحدة، أدمن ملايين من الأمريكان الفنتانيل لأنها موصوفة من قبل أطباء تم شراؤهم بواسطة شركات الأدوية. هذه قصة مفصَّلة في كتاب «موت اليأس ومستقبل الرأسمالية» لـ أنغوس ديتون وآني كيس. تلك الكارثة دليل لبعض الكتاب مثل إيمانويل تود على الانحطاط والعدمية في المجتمع الأمريكي، حيث يتم جعل جزء من السكان مدمنًا ليزداد ثراء جزء أصغر منه بالفعل غني. هل سيخطف ترامب أصحاب شركات الدواء مثل ما فعل مع مادورو؟

