الثورة الإيرانية (تحليل ماركسي) (الجزء الأول).
هذا المقال مترجم وهنا الرابط الأصلي: https://wikirouge.net/R%C3%A9volution_iranienne
الصورة من جريدة The New York Times.
تعتبر الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ عملية ثورية ارتكزت على حشد شعبي واسع، شكّلت التنظيمات الاشتراكية جزءًا كبيرًا منه. ومع ذلك، وبسبب أخطاء هذا المعسكر ونقاط ضعفه، صعد الإسلاميون بقيادة الخميني إلى السلطة.
من المثير للاهتمام تحليل هذه الانتفاضة الشعبية القوية، التي أرعبت أنظمة الشرق الأوسط والقوى الغربية، وأثارت قلق البيروقراطية الستالينية، التي انخرطت آنذاك في تجارة مربحة مع إيران.
السياق
هناك أوجه تشابه عديدة بين الثورة الإيرانية في فبراير 1979 وثورة فبراير 1917 في روسيا، وخاصةً النظام الاستبدادي، والديناميكيات الاجتماعية، والهيمنة الإمبريالية، وقمع الأقليات القومية (الأكراد، والعرب، والتركمان، إلخ).
دكتاتورية الشاه
كان نظام الشاه (الكلمة الإيرانية التي تعني "ملك") محمد رضا بهلوي رسميًا نظامًا ملكيًا، وريثًا لدولة فارس الإقطاعية العريقة. وكما كان الحال في عهد روسيا القيصرية، كانت الطبقات الحاكمة القديمة هي التي تمكنت في المقام الأول من الحفاظ على سيطرتها على تنمية البلاد. ومنذ خمسينيات القرن الماضي على وجه الخصوص، حاولت تلك الطبقة أن تتحول إلى برجوازية. وطُبقت إصلاحات زراعية واسعة النطاق، مما ساعد ملاك الأراضي على التحول إلى رأسماليين أو تركيز المزيد من الأراضي في أيديهم.
سيطرت خمس وأربعون عائلة على 85% من الشركات الكبيرة والمتوسطة، وامتلك أغنى 10% من السكان 40% من ثروة البلاد، وكانت فجوة طبقية تتسع يومًا بعد يوم. عندما تضاعفت أسعار النفط أربع مرات بين عامي 1972 و1975 عقب الحرب العربية الإسرائيلية، ارتفع الناتج القومي الإجمالي لإيران بنسبة 34% في عام واحد. تدفقت المليارات في جيوب الشاه وعصابته.
وقد تسللت شرطة السافاك السرية التابعة للشاه، والبالغ قوامها 65 ألف فرد، إلى كل طبقات المجتمع، مستخدمةً أساليب مستمدة من الجستابو النازي. وقد طُوّرت هذه الأساليب لدرجة أن الديكتاتور التشيلي أوغستو بينوشيه أرسل جلاديه إلى طهران للتدريب. بدت البلاد وكأنها تحت قبضة حديدية لدرجة أن خبراء وكالة المخابرات المركزية الأمريكية قدروا في تقرير صدر في سبتمبر 1978 أن النظام يمكن أن يظل مستقرًا لعقد على الأقل...
الهيمنة الإمبريالية
منذ القرن التاسع عشر، كانت إيران محور صراع النفوذ بين القوى الإمبريالية. بدايةً، خاض البريطانيون والروس صراعًا من الأجل الهيمنة على إيران (الاتفاقية الأنجلو-روسية عام ١٩٠٧)، ثم أخذت الولايات المتحدة حصة متزايدة باستمرار في القرن العشرين، متقاربةً مع البريطانيين في سباق النفط حيث كانت إيران ثاني أكبر مصدر للنفط عام ١٩٧٨، ورابع أكبر منتج له. وهكذا، في عام ١٩٥٣، نجحت مؤامرةٌ بدعمٍ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة (عملية أجاكس) في الإطاحة برئيس الوزراء مصدق، الذي كان يسعى إلى تأميم صناعة النفط، ونجح في الإطاحة بالشاه.
وفي سياق الحرب الباردة، مثّلت إيران أيضًا هدفًا آخر للكتلة الغربية، حيث سعت لإقامة دولة عازلة ضد توسع الاتحاد السوفيتي في آسيا. لهذه الأسباب، دعم القادة الغربيون التعزيز العنيف لدولة الشاه، وساعدت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) في تدريب قوات الشرطة...
المعارضة القومية والدينية
لم تنجح أي ثورة برجوازية في إيران. لكن البلاد تأثرت بالحداثة، تحت تأثير رأس المال الأجنبي، والتنمية غير المتكافئة والمركبة، والتنازلات المقدمة للحركة الديمقراطية البرجوازية (وخاصة البرلمان). لكن هذا الأخير لا يزال ضعيفًا، لا سيما منذ فشله عام ١٩٥٣. أما قيادة الجبهة الوطنية الإيرانية، بزعامة مهدي بازركان، لا تطالب إلا ببعض التخفيف في قبضة النظام، بينما يخضع الجناح الأكثر راديكالية لهذه القيادة بدون استقلالية حقيقية.
أصبحت المؤسسة الدينية الأصولية الشيعية هي التي تيسيطر على الجزء الأكبر من الحركة الراديكالية. تضم هذه المؤسسة ١٢٠ ألف عضو، وهي مؤسسة متداخلة في النسيج المجتمعي الإيراني إذ ترتبط الطبقة العليا من رجال الدين بالطبقات المالكة، بينما تتجذر الطبقة الدنيا من رجال الدين في برجوازية صغيرة فقيرة إلى حد كبير في المناطق الحضرية والريفية. في البداية، كان رجال الدين بمنأى عن القمع، مما سمح للخطب الراديكالية بالوصول إلى جمهور واسع في المساجد. وقد شجب الإسلاميون “الشيطان الأكبر” الأمريكي، مغذين بذلك معاداة الإمبريالية الكامنة بين السكان. واستنكروا التحديث "الغربي" الذي قاده الشاه، مستغلين حقيقة أنه لا يفيد إلا أقلية ضئيلة، وطرحوا بديلًا وهو العودة إلى إسلام أسطوري.
ورغم رجعيتهم الاجتماعية، إلا أنهم اكتسبوا قاعدة شعبية حقيقية، إذ مجدوا المستضعفين ومارسوا أعمالاً خيرية أبوية. ورغم أنهم لا يُناضلون من أجل "الديمقراطية" ولا يتحالفون مع البرجوازية التقدمية (الضعيفة)، إلا أن تضحية الإسلاميين وشجاعتهم نالت بإعجاب واسع النطاق. وتجسدت هذه الحركة السياسية الدينية في شخصية آية الله الخميني، المنفي منذ عام ١٩٦٤.
بروليتاريا ديناميكية بلا حماية
منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تسارع التطور الرأسمالي، لا سيما في قطاعات النفط والصلب والنسيج. ونتيجة لذلك، نمت بروليتاريا المدن وبدأت نضالها الاجتماعي والسياسي. في الوقت نفسه، عانى الفلاحون معاناة شديدة من الإصلاحات الزراعية حيث تحول 1.2 مليون فلاح إلى بروليتاريين.
تضاعف عدد سكان المدن إلى 50%، وازداد عدد سكان طهران من ثلاثة ملايين إلى خمسة ملايين بين عامي 1968 و1977، مع وجود 40 حيًا عشوائيًا يحيط بضواحيها.
كان نحو ربع الإيرانيين يعشون في فقر مدقع. وقبل الثورة، كان 66% من عمال صناعة السجاد في مدينة مشهد تتراوح أعمارهم بين ست وعشر سنوات، بينما كان يوم العمل في همدام 18 ساعة. في عام 1977، كان معظم العمال يتقاضون 40 جنيهًا إسترلينيًا سنويًا. ورغم وجود حد أدنى رسمي للأجور، إلا أن 73% من العمال ما زالوا يتقاضون أقل من ذلك.
في عام ١٩٤٧، لم يكن هناك سوى ١٧٥ شركة كبيرة توظف ١٠٠ ألف عامل. ولكن بعد خمسة وعشرين عامًا، كان ٢.٥ مليون عامل يعملون في المصانع، ومليون في قطاع البناء، ونفس العدد تقريبًا في قطاع النقل والصناعات الأخرى.
بالمقارنة، كان حجم الطبقة العاملة أكبر بكثير مما كان عليه في روسيا عام ١٩١٧ - حوالي أربعة ملايين عامل من أصل ٣٥ مليون نسمة. لكن في المقابل، كان هناك نقص حاد في منظمة عمالية مستقلة راسخة وفعّالة. ورغم انخراط الحزب الشيوعي الإيراني (توده) بقوة في المقاومة السرية، إلا أنه فقد مصداقيته بسبب استراتيجيته الستالينية والعلاقات "الودية" بين طهران مع موسكو وبكين. أما النقابات العمالية، فقد حُظرت وتعرضت للقمع الشديد.

