الثورة الإيرانية (تحليل ماركسي) (الجزء الثالث)
هذا المقال مترجم وهنا الرابط الأصلي: https://wikirouge.net/R%C3%A9volution_iranienne
الصورة من جريدة الـNew York Times.
1979: الثورة وازدواجية السلطة
في مطلع عام 1979، أدّت إضرابات عامة ومظاهرات جماهيرية غير مسبوقة إلى فرار الشاه في 16 يناير. لكن بسبب قوة الحشد والوعي الجماهيري، لم يكن سقوط الشاه كافيًا. فلم يعد من الممكن أن يستمرّ النظام الاستبدادي.
في 1 فبراير، دخل الخميني طهران دخولًا ظافرًا. وفي يومي 10 و11 فبراير 1979، أطاحت انتفاضة شعبية بالدولة القديمة. لكن، وعلى الرغم من اتساع الإضرابات وأهميتها، وعلى الرغم من ظهور «الشورى» — وهي نوع من المجالس الشعبية التي تدير الإضراب— لم تتولَّ الطبقة العاملة قيادة الثورة. بل على العكس، تولّى «مجلس الثورة الإسلامية»، الذي يهيمن عليه رجال الدين وحلفاؤهم من البرجوازية، تنظيم الدولة الجديدة. رغم ما كانت تتمتع به تنظيمات مثل الحزب الشيوعي الإيراني، وكذلك منظمات أخرى كـ«فدائيي الشعب» (الماركسيين) و«منظمة مجاهدي الشعب الإيراني» (الإسلاميين اليساريين)، من نفوذ وقوة تسليحية، فإنها اتخذت قرارًا خاطئًا، إذ سارت، شأنها شأن «الجبهة الوطنية»، في ذيل الخميني وساندت قيام «الجمهورية الإسلامية».
ورغم قصد التقدميون بجمهورية ديمقراطية، إلا أنهم تركوا عمليًا المجال مفتوحًا أمام القوى الرجعية. مع ذلك، تصاعدت الثورة، ما خلق فعليًا وضعًا من ازدواجية السلطة، وإن كانت سلطة العمال والفلاحين ليس لها طموح سياسي مستقل. وفي عام 1979، خاض العمال إضرابات واسعة للمطالبة بتحديد أسبوع العمل بأربعين ساعة ورفع الأجور وانتخاب إدارات المؤسسات المؤمَّمة، وغيرها من المطالب. وفي الوقت نفسه، أقدم الفلاحون الفقراء على احتلال الأراضي، وكانت الجامعات تغلي، ورفعت الأقليات القومية مطالب الحكم الذاتي.
أمام هذا الاضطراب الشامل، سعى رجال الدين والبرجوازية، إلى إبقاء الدولة البرجوازية قائمة وتعزيزها بكل الوسائل الممكنة، من خلال دعم مؤسساتها التقليدية — كالجيش والقضاء والشرطة — بمؤسسات إسلامية موازية. وكان هدفهم الأساسي والتحكم في المسار الثوري لأنه كان يهددهم، فضلًا عن إعادة تشغيل عجلة الاقتصاد الرأسمالي. ولهذه الغاية، انتهج الخميني، الذي أصبح لاحقًا «المرشد» الديني للبلاد وصاحب السلطة الفعلية فيها، سياسةً اتسمت بمزيجٍ من القمع الانتقائي والتنازلات الاقتصادية والاجتماعية في تعامله مع الحركات الجماهيرية التي نجح في احتوائها، إلى جانب إحكام السيطرة عبر أطر وهيئات إسلامية. في هذا السياق، أنشأ مجالس شورى إسلامية تريد تفريغ الشورى الأصلية من مضمونها الحقيقي. أمّا في تعامله مع الأقليات القومية، فقد اعتمد قمعًا واسع النطاق، شاركت في تنفيذه كلٌّ من القوات المسلحة التقليدية و«الباسداران» (حرس الثورة الإسلامية). وفي وفمبر 1979، قدّم بازركان استقالته، مما أدى عمليًا إلى إقصاء التيار الديمقراطي داخل البرجوازية.
1980: الاحتواء الرجعي والعسكري
بلغت الحركة الجماهيرية حجمًا كبيرًا، مما جعل الخميني يبحث عن بديل دعائي قوي لاحتوائها على المدى الطويل، وأتت الفرصة مع اقتحام واحتلال السفارة الأميركية واحتجاز موظفيها. وبهذا جرى تفريغ المشاعر العميقة المعادية للإمبريالية لدى السكان في فعلٍ رمزي يتحدى الولايات المتحدة، لكن من دون تحدّي الإمبريالية بوصفها نظامًا متكاملًا، إذ بقيت الروابط الاقتصادية على حالها. ففي خطاب السلطة الجديدة، جرى التركيز على وصف الولايات المتحدة بـ«الشيطان الأكبر»، وتحت شعار معاداة الإمبريالية، شوه الغرب كله وشوهت قيمه، بما في ذلك المكاسب الديمقراطية والماركسية وغيرها.
ثم شكّلت تهديدات الغزو الأميركي، ولاحقًا الحرب مع العراق ابتداءً من سبتمبر 1980، حجة مثالية لحشد الأمة حول الخميني وسحق كل أشكال المعارضة، سواء كانت ديمقراطية وبرجوازية صغيرة أم فلاحية، طلابية، أو حتى عمالية. فباسم الدفاع عن الثورة، التفّت الجماهير حول النظام واندفعت، على الأقل في البداية، بحماس كبير إلى حرب مدمّرة ضد العراق. وهكذا ترسّخ لفترة طويلة، نظام استبدادي قائم على حزب واحد هو حزب الثورة الإسلامية، الذي اندمج مع الدولة والمؤسسة الدينية ليشرف على المجتمع بأكمله. وأُقرت قوانين رجعية ألغت المكاسب الديمقراطية التي تحققت عام 1979، وُجِّه هجومٌ لاذعٌ ضدّ النساء، على الرغم من الدور المحوري والبارز الذي اضطلعن به في الثورة. وسيطر المرشد الأعلى على مجمل الحياة السياسية، وجرى تمجيد شخصه. وحتى الأحزاب والشخصيات البرجوازية التي كانت متحالفة مع النظام الجديد، جرى تهميشها وإبعادها تدريجيًا عن السلطة.

