مقتل ناشط فاشي في فرنسا... هل سنرى حريق الرايخستاغ بصيغة فرنسية؟
تعليق على آخر الأحداث في فرنسا
حريق الرايخستاج عام 1933
بعضُ الأحداثِ المأساويةِ تتجاوزُ فورًا إطارَ الحادثِ العابر لتتحوّل إلى موضوعاتٍ سياسية. يقدّم التاريخُ الأوروبي سابقةً شهيرة: حريقُ الرايخستاغ عام 1933، الذي استُغلّ لتبريرِ منعطفٍ شمولي في ألمانيا الثلاثينات.
تمّ استغلالُ هذا الحريق فورًا لبدء حملةٍ هستيرية معادية للشيوعية في ألمانيا مطلع العهد النازي، حيث أُلقي بعشراتِ الآلاف من الأشخاص في السجون ومعسكرات الاعتقال. وقد شكّلت هذه الحملة أحدَ تروس عملية Gleichschaltung (وهو مصطلح ألماني يعني حرفيًا «التوحيد» أو «المواءمة»، لكنه في السياق التاريخي يشير إلى عملية إخضاع قسري ومنهجي لكل مؤسسات المجتمع الألماني لسلطة الحزب النازي بعد 1933)، ومهّدت لقيام الآلة الشمولية النازية.
ومن دون الوقوع في مقارناتٍ تبسيطية، يظلّ من المشروع التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها توظيفُ بعضِ المآسي المعاصرة داخل الساحة السياسية.
هذا ما حدث عقب مقتل الناشط اليميني المتطرف كوينتان ديرانك قبل أيام في فرنسا.
فمنذ ذلك الحين، انطلقت الآلة السياسية-الإعلامية، الخاضعة لرأس المال، في حملةٍ شرسة ضدّ القوة اليسارية الوحيدة في البلاد: فرنسا الأبية.
الواقعة واستغلالها
كوينتن ديرانك، شاب فرنسي يبلغ من العمر 23 عامًا وناشط في التيار اليميني المتطرف، تعرض في 12 فبراير 2026 في مدينة ليون -الموبوءة بجموعات اليمين المتطرف- للضرب بشكل عنيف من قبل مجموعة ملثمة مضادة للفاشية أثناء شجار بين مجموعتين من النشطاء. أصيب بجروح بالغة في الرأس ونُقل إلى المستشفى، لكنه توفي بعد يومين في 14 فبراير متأثرًا بجراحه.
يتهم بعض الإعلام وبعض الشخصيات السياسية حزب فرنسا الأبية لأن الاشتباك الذي أدى إلى مقتل كوينتن ديرانك وقع خلال تجمع حضره ناشطون من الحزب، ما دفع البعض للاعتقاد بأن أجواء هذا التجمع أو وجود المعارضين ساهم في تصاعد العنف. في الحقيقة، نحن نشهد هجومًا مباشرًا على حزب فرنسا الأبية لأنه، حتى وإن لم يكن مسؤولًا عن القتل، القوة اليسارية الوحيدة التي تُخيف البرجوازية ببرامجه ومواقفه (مثل موقفه من غزة وغيره). ورغم أن حزب فرنسا الأبية يسارية بالتأكيد، فهي لا تعتبر راديكالية من قبل الكثير من المعلقين والسياسيين، مما يبيّن توجه المجتمع الفرنسي والطبقة الإعلامية والسياسة فيه نحو اليمين.
يتعرّض حزب فرنسا الأبية لهجمات إعلامية يومية، بما في ذلك الدعوة لدقيقة صمت من رئيسة الجمعية الوطنية حدادًا على روح كوينتن، بالإضافة إلى الابتزاز العاطفي والتهديدات بالقتل لأعضائه وإنذارات بوجود قنابل داخل مقره بباريس. الحزب، الذي واجه سابقًا اتهامات بمعاداة السامية بسبب موقفه من الإبادة في غزة من قبل الطبقة الإعلامية والسياسية واليمين المتطرف الفرنسي (الذي له جذور تاريخية في معاداة السامية)، يجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة.
الأحزاب السياسية الليبرالية، مع تيار ماكرون وغيرهم، الذين يعلنون دائمًا معارضتهم للتيارات المتطرفة، انضموا إلى الانتقادات والهجمات التي يشنها اليمين المتطرف ضد حزب فرنسا الأبية. فهم، كمدافعين عن البرجوازية ومصالحها، يعرفون من سيكون حليفهم إذا تسارعت الأزمة السياسية. تاريخيًا، ساعدت القوى اليمينية المحافظة التقليدية الغير نازية هتلر على الوصول إلى السلطة. وفي فرنسا، كانت البرجوازية وكلابها تهتف في ثلاثينيات القرن الماضي: «نفضل هتلر على الجبهة الشعبية1».
نحن لا نعيش «لحظة فاشية» كما في الثلاثينيات، لكن التحوّل نحو السلطوية واضح. الشيوعيون لم يُسجنوا في معسكرات، والرايشتاغ لم يُحرق، لكن الاستغلال السياسي موجود بشكل متشدد ضد اليسار، وترامب موجود ليلهم و”ينير” الطريق نحو فاشية القرن الواحد والعشرين، حيث تحالف برجوازي من كتلة «ماكرولويانية» حسب تعبير إيمانويل تود، سيقمع الجماهير. من الواضح الآن أكثر من أي وقت مضى، أن الهدف هو القضاء على حزب فرنسا الأبية قبل الانتخابات البلدية والرئاسية.
نفاق
مع ذلك، النفاق واضح لمن يريد أن يكون موضوعيًا. فالضحية، كوينتن ديرانك، الذي كان بوضوح فاشيًا يمينيًا متطرفًا، ومؤسسًا مشاركًا حسب ويكيبيديا لجماعة يمينية متطرفة قومية مؤمنة بتفوق العرق الأبيض، تتحوّل فجأة إلى شهيد فرنسي. نفس الليبراليين الذين يتحدثون عن «حماية الجمهورية من مارين لوبان واليمين المتطرف» يذرفون دموع التماسيح وينقضّون على آخر حاجز حقيقي ضد الفاشية، وهو حزب فرنسا الأبية، لحماية مصالح طبقية وحسيابات سياسية. نحن لن ندعو للقتل هنا، لكننا أيضًا لن نبكي على أشخاص عنصريين وخطرين لمجرد إرضاء أخلاقيات البرجوازية.
النفاق يتكرّر مرة ثانية، إذ أننا لم نسمع إيمانويل ماكرون — الذي غرد حول مقتل كوينتن — يتحدث عن الـ12 جريمة قتل التي ارتكبها اليمين المتطرف منذ 2022، منها جريمة العام الماضي حيث قام كريستوف بيلجامب بقتل جاره هشام ميراوي، تونسي الجنسية، بعدة أعيرة نارية. وكان الجاني قد نشر عدة فيديوهات عنصرية على وسائل التواصل الاجتماعي ودعا من أسماهم “الفرنسيين” لتقليده. وبحسب بعض المحللين السياسيين، هناك المئات من الاعتداءات الفاشية في فرنسا منذ سنين، لكن لم نسمع الليبراليين ولا الطبقة الإعلامية والسياسية تتحدث عن ذلك أيضًا، لأن يبدو أن هناك ضحايا جيدين وضحايا سيئين، والأخيرون لا يمكن إعادة توظيفهم للهجوم على اليسار.
صد الهجوم
هورست فيسل كان نازيًّا قُتل على يد شيوعي، وأُقيم لاحقًا شهيدًا من قبل النظام النازي. وبالطبع دون مقارنة النازية بالنظام الفرنسي، فقد رأينا كيف تنظم البرجوازية نفسها، وكيف تستغل عبر كلاب حراستها جريمة قتل كوينتن لمهاجمة اليسار، الذي يعيش لحظة شبيهة بـ«تشارلي كيرك»، بينما يصبح الفاشيون أكثر خطورة وتنظيمًا. الطبقة الإعلامية والسياسية الفرنسية، رغم ادعائها الالتزام بالدستور وسيادة القانون، في تحالف ضمني مع اليمين المتطرف. سبق أن تمّ تخريب عدة مقرات لحزب فرنسا الأبية على يد نشطاء يمينيين متطرفين، كما تم إطلاق إنذار بوجود قنبلة في مقرهم بباريس. تصاعد العنف الفاشي يزداد سرعة، ويشجعه الحكومة البرجوازية الحالية. النظرية والمسؤولية السياسية تقول «ادعوا الشباب من الطرفين للهدوء»، لكن بما أن السياسة هي استمرار للحرب بوسائل أخرى كما قال فوكو، ولأن المسؤولين السياسيين غير مسؤولين عمليًا، يجب الاستعداد للصدام. الأمر الأكثر أهمية هنا هو نظرية الجبهة الموحدة لتروتسكي، التي تدعو إلى تشكيل جبهة موحدة للطبقة العاملة: تحالف بين الاشتراكيين والشيوعيين والنقابات لمقاومة الفاشية، مع رفض أي تحالف دائم مع البرجوازية. كان يعتبر تروتسكي أن توحيد القوى العاملة أمر أساسي لمواجهة الفاشية بفعالية مع الحفاظ على البُعد الثوري.
أعتقد أن هذا أكثر شيء عملي الآن.
وكما يقول ماركس عن جورج ساند: “النضال أو الموت؛ الكفاح الدموي أو العدم. هكذا تُطرح المسألة بشكل حتمي”.
جبهة يسارية تكونت في الثلاثينات لمحاربة الفاشية وتقديم برنامج سياسي وإجتماعي موحد.

