ملاحظة عن الأبارتايد الإجتماعي في مصر.
منشورات وسائل التواصل الاجتماعي داخل جزء من الإنتلجنسيا اليسارية المصرية قد أطلقت «ترند صغير» أجدها مفيدة (على عكس معظم «الترندات» الحالية)، وهي تتناول موضوع «الكومباوندات» المصرية والنيوليبرالية والتمييز المكاني والفصل الطبقي الاجتماعي.
في الواقع، أحد المقالات القصيرة التي كتبها صديقنا عمرو عبد الرحمن اعتبر مدينة الجونة، لأسباب اجتماعية طبقية، «مستعمرة» للأثرياء المصريين. هذه الملاحظة – التي أتفق معها – أثارت ردود فعل معينة داخل هذه الإنتلجنسيا، إذ اتهم بعضهم الكاتب بالتحريض ضد البرجوازيين المترفين أو ضد المسيحيين (لأن نسبة كبيرة من سكان هذه «المستعمرة الاجتماعية» هم مسيحيون، مما يُفترض أنه يمنعنا – حسب رأيهم – من انتقاد هذا الفصل الاجتماعي).
هذا الرد هو عرض لمَرض – عرض رقم ألف – من مظاهر برجوزة جزء كبير من اليسار المصري. وهذا ليس لأنهم يرفضون مفهوميًا اعتبار الجونة «مستعمرة»، بل لأنهم يخشون أن يُتهموا بالتحريض ضد هذه الطبقة. لكن هذه البرجوزة ليست موضوعنا هنا.
نريد فقط أن نضيف ملاحظة، قد تكون واحدة من مفاتيح فهم حالة الفصل الاجتماعي في مصر، هذه التفرقة المكانية والاجتماعية التي يعيشها المصريين. في الواقع، الجونة و«الكومباوندات» المصرية، سواء كانت مستعمرات أم لا، هي في حد ذاتها مجرد عرض أيضًا، وليس نتيجة للنيوليبرالية نفسها فقط. في رأيي، النيوليبرالية «على الطريقة المصرية» (مزيج من الإدارة الاستبدادية، والعسكرية، وإدارة الدولة والبزنس والفساد) ليست سوى محفز لوضع اجتماعي قائم وعلاقة معينة بالسلطة والملكية الخاصة.
إنه عرض فعلاً، لأنه كما توجد أشكال متعددة من الرأسمالية، توجد أيضًا أشكال متعددة من النيوليبرالية (فالأخيرة ليست سوى إحدى الصيغ التي يمكن أن تتخذها إدارة رأس المال). هذه الرأسماليات وهذه النيوليبراليات تختلف من مجتمع إلى آخر، وتخضع لمدى نضالية الطبقة العاملة، وللعلاقة التاريخية التي تربط الطبقات المختلفة بأنماط الملكية المتعددة.
هذه العلاقة التاريخية مع أنماط الملكية المختلفة ومع السلطة عمومًا هي التي تؤدي إلى إدارة أكثر أو أقل تطرفًا للرأسمالية والنيوليبرالية. لأنه إذا اعتبرنا – كما أعتبر أنا – أن نمط الإنتاج هذا، وطريقة إدارته الخاصة، يولدان بالضرورة التفاوتات والفقر، فلماذا لا تتطور هذه التفاوتات بنفس الحدة «الانفصالية» في تونس أو في فرنسا؟
بكل بساطة، لأن العلاقة التاريخية بين الطبقات الاجتماعية وأنواع الملكية المختلفة، وكذلك نَفَس النضال لدى الطبقة العاملة والمجتمع المدني عمومًا، إضافةً إلى العلاقة بالفكرة – حتى في معناها الميتافيزيقي – للسلطة، تختلف من مجتمع لآخر. لنأخذ تونس مثالًا: في تونس، الشواطئ مجانية، ومعظمها عامة. حتى شواطئ الفنادق – على الأقل مما رأيتُ – يستخدمها عامة الناس. كثير من أشجار الزيتون موجودة في الشوارع وهي ملك للجميع، يمكن لأي شخص أن يقطف ثمارها دون أن يتعرض للمساءلة. وبالمقارنة، ومن خلال تجربة شخصية في مصر، في أحد «الكمباوندات» الصغيرة في العين السخنة، كانت إدارة الأمن داخل الكمباوند تمارس نوعًا من التمييز بين مالكي الشاليهات ونزلاء الفندق، بل وحتى في طريقة السماح بالسباحة في البحر! أما في تونس، فإحدى أغنى العائلات، عائلة دريس، تعيش جنبًا إلى جنب مع عامة الناس. ويمكن رؤية رئيس الجمهورية (المتهم بكونه ديكتاتورًا)، وقبله رؤساء الوزراء، يتجولون في الشارع بين الناس بشكل عادي.
من يستطيع، كمواطن مصري “عادي”، لا ينتمي إلى النخبة، أن يقول إنه يرى أحد كبار المليارديرات المصريين في حيه؟ أو حتى يجرؤ على رؤية وزير (دون أن أقول الرئيس، فهذا سيكون طلبًا مبالغًا فيه)؟ أعتقد لا أحد. أو على الأقل، نادر جدًا.
وذلك لأن المجتمع المصري، مقارنةً بالمجتمع التونسي، تربطه علاقة تاريخية بطبيعة الملكية وبالسلطة عمومًا، علاقة تتسم بطابع هرمي واضح.
وعندما تمتزج هذه الهرمية التاريخية مع نظام إنتاج يولّد التفاوتات — أي الرأسمالية — ومع أسلوب إدارة هجومي لهذا النظام (النيوليبرالية)، إلى جانب نوع من القداسة التي تُمنح للسلطة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية، فإن الناتج هو شكل عنيف من الفصل الطبقي، لا نراه في تونس، لكنه ظاهر بوضوح في الهند مثلًا، التي تقوم على تقسيم صارم للطبقات الاجتماعية: المنبوذون، البراهمة، وغيرهم — وهو تقسيم يتجاوز الرأسمالية نفسها.
هذه العنصرية الطبقية والأبارتايد الطبقي في مصر يتجاوزوا صعود الرأسمالية في مصر.
إن مفتاح فهم هذا “الأبارتايد الاجتماعي” في مصر لا يكمن فقط في تحليل الإدارة النيوليبرالية للرأسمالية، بل في العودة إلى الجذور التاريخية للعلاقة بالملكية، وبالقداسة التي أحاطت بالسلطة عبر العصور.


منظور مايك ديفِس وتريزا كالدييرا “Fortress/fortified urbanism” و "Security Enclaves" عن العمران الحضري يذهب بالفكرة إلى مساحات أعمق .
شكرا للمصادر. حتساعد للفهم أكثر. شكرا جزيلا…